|
Ahmdm75@yahoo.com
قبل الحديث عن التجمع اليمني للإصلاح كتنظيم سياسي أُعلن عن نشأته مع قيام الوحدة اليمنية ، لابد من الإشارة إلى الجذور والمنابع التي استقى منها هذا التنظيم رؤاه وأفكاره ، ومثّل الامتداد الحقيقي لها .. ابتداءً من رموز الاجتهاد الذين قادوا حركة التجديد ضد الجمود والتعصب المذهبي ، مثل: الحسن بن أحمد الجلال ، وصالح بن مهدي المقبلي ، ومحمد بن اسماعيل الأمير ، ومحمد بن علي الشوكاني، مروراً بحركة الأحرار اليمنيين الذين استطاعوا من خلال ثورة فبراير 1948م أن يصنعوا محطة تغييرية هامة في مواجهة الاستبداد والتخلف ، إذ رغم فشل الثورة في مهدها فقد ظلت تمثل رافعة نفسية كسرت حاجز الخوف وبددت ركام الأوهام ..وانطلقت تسري في واقع حياة المجتمع كشعلة متقدة أضاءت طريق المحاولات اللاحقة .. وجاء احتضان الزبيري للمجاميع الطلابية في القاهرة خلال عقد الخمسينات كامتداد طبيعي لموجة التفاعلات التي أوجدتها ثورة 1948م في مختلف مناطق اليمن ..
ومع قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م مثّل الزبيري واجهة الحركة الإسلامية ونشاطها الميداني في سياق المتغيرات التي كانت تجري متتابعة على مستوى الساحة اليمنية ..
بعد استشهاد الزبيري في عام 1965م ، افتقد الحركيون الإسلاميون الذين عادوا من مصر في تلك الفترة أهم المظلات التي كانوا يعملون في إطارها ، الأمر الذي دفعهم إلى تشكيل أول تنظيم إسلامي في اليمن ، قام على أُسس وقواعد ومنهجية حركة الأخوان المسلمين ..
وما هي إلا سنوات قليلة حتى استطاعت حركة الأخوان أن تقدم نفسها كشريك وطني فاعل .. وبرز الأخوان في ميدان العمل السياسي من خلال المجلس الوطني 1968م ، كمساهمين أساسيين في إنجاز الترتيبات الوطنية الشاملة ، وفي إعداد الدستور الدائم وإجراء انتخابات مجلس الشورى 1971م .. وخاضوا تجربة الحركة التعاونية (1973م) وسايروا الحركة التصحيحية التي تبناها الرئيس إبراهيم الحمدي بهدوء ، وساهموا في إعداد الميثاق الوطني وإنشاء المؤتمر الشعبي العام 1982م ، وشاركوا في الانتخابات البلدية (1979م) وانتخابات المجالس المحلية للتطوير التعاوني 1985م ..
وكان الإخوان المسلمون الأكثر تفاعلاً ومساهمة في إنجاح انتخابات مجلس الشورى 1988م ، وهم القوة السياسية الوحيدة التي أعلنت بوضوح عن برنامجها السياسي لخوض تلك الانتخابات من خلال ما سُمي نصيحة العلماء ..
التجمع اليمني للإصلاح :
في 22 مايو1990م تحققت الوحدة اليمنية ، حيث أُعلن عن قيام الجمهورية اليمنية على أساس اعتماد التعددية السياسية والحزبية، كشكل من أشكال النظام السياسي، وبالتالي فتح الباب واسعاً لجميع التكوينات والقوى السياسية أن تمارس نشاطها بوضوح، الأمر الذي دفع بالحركة الإسلامية ممثلة بجماعة الأخوان المسلمين أن تبحث عن صيغة سياسية تعلن بها عن نفسها، وتتوائم مع التطورات والمستجدات والمتغيرات التي أخذ يعيشها المجتمع في ظل الدولة اليمنية الجديدة ..
وفي هذا السياق كان الإعلان عن قيام التجمع اليمني للإصلاح في 13 سبتمبر 1990م ، حيث شمل هذا الإعلان قائمة المؤسسين ومشروع الأهداف العامة ، وقد تضمنت قائمة المؤسسين عدداً من رموز الحركة الإسلامية وعدداً من الرموز الاجتماعية ورجال الأعمال والمثقفين .. وبدا من اللحظة الأولى أن هذا الحزب سيرتكز على قاعدة شعبية كبيرة بحكم انضمام كبار الزعامات القبلية وتمثيلها لكل المناطق اليمنية ، وبحكم استناده على آلية تنظيمية دقيقة ممثلة بقواعد وقيادات الحركة الإسلامية التي أصبحت تملك خبرة متميزة في العمل السياسي والحزبي ..
ومنذ اللحظة التي نشأ فيها التجمع اليمني للإصلاح أصبح رقماً قوياً في الساحة السياسية اليمنية ، وأثبت وجوده كعنصر فاعل ومؤثر ، وخاصة عند بدء الإجراءات المتعلقة بالاستفتاء على دستور دولة الوحدة ، حيث أعلن منذ البداية عن مطالبته بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه .. ومع نجاحه في تنظيم المسيرة المليونية المطالبة بتعديل الدستور وانتزاعه بياناً من مجلس الرئاسة يلتزم فيه بالمطالب التي تقدم بها ، فإن الإصلاح استطاع أن يقدم نفسه باعتباره الحزب المعارض الرئيس ، والقادر على خلط الأوراق وإعادة ترتيب المعادلات السياسية القائمة ..
الانتخابات البرلمانية الأولى 93م :
وخلال الفترة الانتقالية ( 90 – 93م ) كانت شعبية الإصلاح تزداد يوماً بعد يوم ، بسبب قوة خطابه الإعلامي ومواقفه السياسية الناقدة لسياسات الحزبين الحاكمين ، حيث استطاع كسب تأييد الشارع اليمني ، الذي كان متعطشاً لسماع خطاب معارض قوي يعكس حقيقة الواقع ويؤكد بالفعل أن الديمقراطية لا يمكن أن تنمو إلا في ظل محفزات ميدانية ..
وعلى أساس النهج السلمي الديمقراطي المؤطر بدرجة عالية من المصداقية ، مارس الإصلاح نشاطاته السياسية ، وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية الأولى (27 إبريل 1993م) حيث اعتلى المرتبة الثانية بحصوله على 66 مقعداً برلمانياً و 20% من مجموع أصوات الناخبين المشاركين في الاقتراع ، وبهذه النتيجة انضم الإصلاح إلى جانب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي في إطار ائتلاف حكومي ثلاثي استمر حوالي عام واحد فقط ( مايو93 – سبتمبر 94م) ..
وبعد خروج الحزب الاشتراكي من السلطة نتيجة الأزمة السياسية وحرب صيف 94م ، انضم الإصلاح إلى جانب المؤتمر الشعبي العام في إطار ائتلاف حكومي ثنائي خلال الفترة ( اكتوبر 94م – ابريل 97م ) ..
الانتخابات البرلمانية الثانية 97م :
في ضوء الخارطة السياسية التي تشكلت بعد حرب صيف 94م كان الإصلاح يدرك حجم الاختلالات التي يمكن أن ترافق عملية إجراء الانتخابات البرلمانية الثانية (27 ابريل 97م) وذلك في سياق حالة الاستهداف التي كانت موجهة إليه بصورة خاصة من قِبل سلطة المؤتمر الشعبي الذي أعلن مبكراً أنه يسعى للحصول على الأغلبية المريحة ..
وفي تلك الأجواء التي لم تكن موحية بالنزاهة بذل الإصلاح جهوداً كبيرة من أجل الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ، بما في ذلك محاولة التخفيف من حدة التوتر وإزالة الشكوك والتخوفات عبر التوقيع على اتفاق مع المؤتمر الشعبي العام (25/1/96م) واتفاق آخر بين حزبي الائتلاف والأحزاب الموقعة من مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة (8/3/97م) ..
غير أن الرهان على القوة والمال والنفوذ تغلب على مجمل الاتفاقات ، حيث أطلق العنان للمخالفات والخروقات بمختلف مظاهرها ووسائل تنفيذها ، وعلى طول الخط الممتد من سجلات القيد وحتى صناديق الاقتراع ..
ومع ذلك نافس الإصلاح بقوة في معظم الدوائر الانتخابية ، وحل في المرتبة الثانية بعد المؤتمر الشعبي العام ، من بين 12 حزباً وتنظيماً سياسياً شاركت في انتخابات 27 ابريل1997م.
وقد حاز الإصلاح على (64) مقعداً برلمانياً، منها (53) مقعداً باسم المرشحين المتقدمين كأعضاء في الإصلاح ، بالإضافة إلى (11) مقعداً باسم المرشحين الذين تقدموا للانتخابات كمستقلين ثم أعلنوا بعد ذلك انضمامهم إلى كتلة الإصلاح النيابية ..
وقد بلغ إجمالي الأصوات التي حصل عليها الأعضاء الأربعة والستون (809530) صوتاً ، بما يعادل 30% من إجمالي أصوات الناخبين المشاركين في الاقتراع والبالغ عددهم (2726493) صوتاً ..
وبالتأكيد فإنه في ظل الأجواء التي سادت تلك الانتخابات فقد اعتبرت هذه النتيجة الحد الممكن ، الأمر الذي جعل رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح يقول : ( انتزعناها من بين مخالب الوحوش ) نظراً للممارسات غير القانونية التي مورست واستهدفت الإصلاح بشكل خاص ..
الإصلاح في المعارضة :
بعد حصول المؤتمر الشعبي العام على الأغلبية المريحة في انتخابات 97م ، وقيامه بتشكيل الحكومة منفرداً ، كان طبيعياً أن ينتقل التجمع اليمني للإصلاح إلى موقع المعارضة ، لأن ساحة المعارضة بحاجة ماسة إلى وجود حزب قوي ، وذلك في ضوء المعادلات السياسية التي افرزتها التطورات المتلاحقة التي عاشها الوطن اليمني ، هذا من ناحية ..
ومن ناحية ثانية ، لأن المؤتمر الشعبي أصلاً لا يريد شريك ، وهو أمر سعى للوصول إليه منذ اليوم الأول لقيام دولة الوحدة ، وكان أسلوب تعامل المؤتمر مع شركائه في مختلف المراحل هو الدليل والبرهان على ما كان يضمره من أهداف استفرادية واستحواذية واقصائية ..
وإذا كان الإصلاح قد قضى ثلاث سنوات ( 90 – 93م ) في ميدان المعارضة ، فإنه بخروجه من السلطة عام 97م قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه من أكثر الأحزاب اليمنية تجاوباً للنهج الديمقراطي التعددي ، وأنه الحزب السياسي الوحيد الذي مارس التداول السلمي للسلطة ، إذ جاء إليها عبر صناديق الاقتراع وخرج منها عبر صناديق الاقتراع .. وأدى دوره كمشارك في السلطة بمسئولية عالية ، ثم مارس دوره كمعارض برصانة من خلال المنابر المشروعة ديمقراطياً كالبرلمان والصحافة والنقابات ومختلف الفعاليات والوسائل المتاحة .. وعلى هذا الأساس جاءت مشاركته الفاعلة في الانتخابات المحلية (2001م ) والانتخابات البرلمانية الثالثة (2003م) ثم في الانتخابات الرئاسية (2006م) ..
ويمكن التأكيد بأن الإصلاح ، وفي مختلف المراحل ، قد ظل حريصاً على التواصل والتعاون مع كافة الأحزاب والقوى السياسية ، من أجل ترسيخ الممارسة الديمقراطية وحمايتها .. واستطاع خلال السنوات العشر الماضية أن يحقق مع أحزاب اللقاء المشترك ، نموذجاً متميزاً للشراكة الايجابية ، بالنظر إلى أن صيغة العمل الجماعي قادرة على الاسهام في إشاعة ثقافة التسامح والتعاون على البر والتقوى ، وتمتين عرى الوحدة الوطنية وتعزيز الاستقرار في البلاد ..
الإصلاح والديمقراطية :
كثيراً ما كانت تثار التساؤلات حول حقيقة موقف الإصلاح من الديمقراطية ، وهل هو موقف تكتيكي أم هو موقف استراتيجي مبدأي ..
والمتتبع لمسيرة الإصلاح ومشاركاته وممارساته سوف يدرك حقيقة موقف الإصلاح الإيجابي من الديمقراطية ، فهو منذ اللحظة التي أعلن فيها عن نفسه ككيان حزبي أكد استعداده للتعاطي مع الديمقراطية .. وبرهن على ذلك من خلال ممارساته العمل
|