الإسلام والحريات الفكرية والدينية

الدكتور - يوسف القرضاوي
بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-
جاء الإسلام فمنح الناس حرية الحقوق ….. فالحرية منحة منحها الإسلام الناس دون طلب منهم احتراما لهم.
فمنحهم حرية التفكير، وحرية العلم، وحرية الرأي والقول والنقد، وحرية الاعتقاد، والتدين، وحرية التصرف بما لا يؤذي أحدًا، حرية التملك بالشروط والقيود المشروعة، بدون ضرر ولا ضرار . . فهذه هي القاعدة العامة في الإسلام: " لا ضرر ولا ضرار " . فأي حرية ترتب عليها ضرر لنفسك، أو ضرار لغيرك، يجب أن تمنع، ويجب أن تقيد في هذه الحالة فإن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك.
أما حرية الفسوق، التي ينادي أصحابها أن يكونوا أحرارا في لإفساد أديانهم وأبدانهم وأموالهم وعقولهم وأعراضهم… فهذا انحلال وتسيب لا تستقيم معه حياة، فلذلك صادره الإسلام.
جاء الإسلام فقرر مبدأ الحرية، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلمته المشهورة في ذلك: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا . وقال علي بن أبي طالب في وصية له: لا تكن غيرك وقد خلقك الله حرًا. فالأصل في الناس أنهم أحرار بحكم خلق الله، وبطبيعة ولادتهم هم أحرار، لهم حق الحرية، وليسوا عبيدًا.
جاء الإسلام فأقر الحرية في زمن كان الناس فيه مستعبدين: فكريًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، ودينيًا، واقتصاديًا، جاء فأقر الحرية، حرية الاعتقاد، وحرية الفكر، وحرية القول، والنقد، أهم الحريات التي يبحث عنها البشر . . جاء الإسلام وهو دين فأقر الحرية الدينية، حرية الاعتقاد . فلم يبح أبدًا أن يكره الناس على اعتناقه، أو اعتناق سواه من الأديان، وأعلن في ذلك قول الله عز وجل: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا) (يونس: 69) هذا في العهد المكي، وفي العهد المدني جاء في سورة البقرة: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256) وسبب نزول هذه الآية يبين لنا إلى أي مدى وصل الإسلام في تقديس الحرية، وفي تكريم هذا المعنى، وتأكيد هذا المبدأ، فقد كان الأوس والخزرج في الجاهلية إذا امتنعت المرأة من الحمل فنذرت إذا ولدت ولدًا هودته، أي جعلته من يهود، وهكذا نشأ بين الأوس والخزرج هاتين القبيلتين العربيتين بعض أبناء يهود، فلما جاء الإسلام وأكرمهم الله بهذا الدين وأتم عليهم نعمته، أراد بعض الآباء أن يعيدوا أبناءهم إلى الإسلام دينهم، ودين الأمة في ذلك الحين، وأن يخرجوهم من اليهودية، ورغم الظروف التي دخلوا فيها اليهودية، ورغم الحرب التي بين المسلمين وبين اليهود، لم يبح الإسلام إكراه أحد على الخروج من دينه وعلى الدخول في دين آخر ولو كان هو الإسلام . فقال: (لا إكراه في الدين) في وقت كانت الدولة البيزنطية تقول: إما التنصر وإما القتل . وكان المصلحون الدينيون في فارس يتهمون بأشنع التهم، وهكذا . ..
لم يكن مبدأ الحرية قد جاء نتيجة تطور في المجتمع، أو ثورة طالبت به، أو نضوج وصل إليه الناس، وإنما مبدأ أعلى من المجتمع في ذلك الحين . . جاء مبدأ من السماء، ليرتفع به أهل الأرض، جاء الإسلام ليرقى بالبشرية بتقرير هذا المبدأ، مبدأ حرية الاعتقاد، وحرية التدين .
ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلام مشروط ومقيد أيضًا بألا يصبح الدين ألعوبة في أيدي الناس . . كما قال اليهود (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (آل عمران: 72) آمنوا الصبح وفي آخر النهار تولوا: لقد وجدنا دين محمد صفته كذا وكذا . . . فتركناه . أو آمنوا اليوم واكفروا غدًا . . أو بعد أسبوع . . شنعوا على هذا الدين الجديد . . أراد الله سبحانه ألا يكون هذا الدين ألعوبة، فمن دخل في الإسلام بعد اقتناع وبعد وعي وبصيرة فليلزم





























































