محمد دحلان "مهمة قذرة باسم القانون

النضال والتغيير
(يعجبني هذا الفتى) ..هذا ما ورد على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد لقائه الأول بالنائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح ,وكأنها كانت كلمة الفصل في اختيار محمد دحلان ليكون صاحب المهمات الصعبة نحو رسم السياسة الأمريكية في الأراضي الفلسطينية وتغيير ملامح الشرق الأوسط التي دعت إليه صراحة كوندليزا رايس .
لسنا بصدد سرد قصة تراجيدية أو كوميدية... إلا أن السرد التاريخي للأحداث يظهر الحقائق التي كانت مغيبة عند الكثيرين.
وليس بالمفاجأة ما أوردته مجلة فاينتي فير الأمريكية وتناقلتها بعض وسائل الإعلام وزعمت فيها " أن الإدارة الأمريكية قد أعدت خطة بمشاركة النائب محمد دحلان لإسقاط حماس .
إن أكثر ما يثير الشبهة لدى المحللين السياسيين والعارفين.. الثروة الباهظة التي يمتلكها محمد دحلان والتي جاءت من أكثر من جهة ,بعضهم قال أنها جاءت عن طريق التنسيق الأمني لعدد من التجار بهدف تسهيل معاملاتهم التجارية والعبور عبر معبر إيرز مقابل مبالغ كبيرة وفرض "اتوات" على التجار ورجال الأعمال وآخرون نسبوها إلى ملايين الدولارات التي كانت تحول لجهاز الأمن الوقائي بهدف تطوير قدراته وتعزيز مكانته ليكون السد المنيع أمام بنادق المقاومة الفلسطينية الموجهة نحو الاحتلال ,أما البعض الأكثر تفاؤلا فقد جمع بين الاثنين.
وإذا عدنا للوراء قليلا عندما كانت تجرى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في منتجع "واي بلانتيشين" في العام 1997م،اقترب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون من عضو الوفد الفلسطيني محمد دحلان،وهمس في أذنه قائلاً "أرى فيك زعيما مستقبليا لشعبك".
وعندما كان الرئيس الحالي جورج بوش يحضر قمة "شرم الشيخ" في العام 2003م، طلبه بالاسم ليصافحه، مما يعكس حجم المكانة التي يتمتع بها لدى الإدارة الأمريكية وترحيب مسبق لأن يقود السلطة الفلسطينية في يوم من الأيام.
وقد نشرت صحيفة "يونجافليت" الألمانية في14/6 في تقريرً لمعلقها السياسي فوف راينهارت قال فيه إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترةٍ طويلةٍ لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية, وتحريض تيارٍ موالٍ لها داخل فتح على القيام بتصفياتٍ جسديةٍ للقادة العسكريين في حركة حماس.
وكأن الإشارة كانت واضحة أن دحلان سيكون رجل المرحلة كما توقع هو نفسه وعمل لتحقيق هذا الهدف فلقد سبق و أن تمرد على زعيمة و قائدة ياسر عرفات و قاد المسيرات و حملات الفلتان الأمني في عهدة و قبل مجئ حماس للحكم .
تسونامي التغيير و بداية الانقلاب
في الخامس والعشرين من عام 2006 جاء الطوفان الأخضر مخالفا كل التوقعات وكان بمثابة الصفعة التي أصابت الكثيرين بالذهول , إلا دحلان الذي أيقن أنه سيكون هو رجل مرحلة العصر القادم الخالي من حماس وباقي فصائل المقاومة,و لهذا فقد ثار و غضب بعد إعلان نتائج الانتخابات و إعلان فوز حماس الساحق و خرج على رأس مسيرة من منتسبي الأجهزة الأمنية وقاموا بحرق السيارات أمام المجلس التشريعي و طالبوا باستقالة محمود عباس و اللجنة المركزية لفتح و توعدوا حماس و لكن سرعان ما اختفى هذا الغضب و بدا التفكير الهادئ بالانقلاب على نتائج الانتخابات و خصوصا بان التصريحات الإسرائيلية و الأمريكية كانت مشجعة و تصب في صالح فكرة الانقلاب.
للحقيقة فقد بدأت فكرة الانقلاب على نتائج الانتخابات منذ أن أعلنت نتائج الانتخابات و بدأت هذه الخطوات بمراسيم رئاسية استباقية تصادر صلاحيات الحكومة المقبلة التي سوف تشكلها حماس كان أخطرها استحداث منصب مدير الأمن الداخلي و أوكل مهمته إلى رشيد ابو شباك الصديق الحميم لمحمد دحلان ليكون مشرفا عاما على الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية كما كان للمجلس التشريعي المنتهي ولايته دور في استباق الأحداث فقد قام بتعديل و إصدار قوانين جديدة كما قامت حكومة أبو علاء قريع وهي كانت عبارة عن حكومة تسير أعمال بتوظيف أكثر من ألفين موظف من فتح و تفريغ الخزينة الحكومية من الأموال وعند بدء المشاورات بشان تشكيل الحكومة و التي كانت حماس تنوي تشكيلها من كافة الكتل النيابية رفضت فتح المشاركة و وضعت العراقيل و الشروط التعجيزية كما مورست التهديدات الداخلية و الخارجية على الكتل الأخرى لحثها على عدم المشاركة مع حماس و كان لسان حال فتح و الكتل الأخرى يقول " مركب حماس غرقان فلماذا نغرق معهم فلنتركهم يغرقوا" و بعد تشكيل حماس حكومتها العاشرة لوحدها و التي توقع الجميع لها أن لا تصمد أكثر من ثلاث شهور و حضروا أنفسهم على هذا الأساس حيث أن صحيفة هآرس في عددها الصادر بتاريخ 25-2-2006 نقلت عن مصادر في الحكومة الإسرائيلية توقعاتها أنه في غضون 100 يوم من الحصار المتواصل، أن حكومة حركة حماس ستنهار. لكن عندما تبين أن الحصار لم يفلح في إسقاط الحكومة، عمدت إسرائيل إلى استغلال حادثة أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت لمحاولة تحطيم الحكومة الفلسطينية وحركة حماس. فبدعوى الرد على اسر شاليط قامت إسرائيل بتنفيذ عشرات الحملات العسكرية في جميع أرجاء قطاع غزة ضد البنى التنظيمية والعسكرية لحركة حماس، إلى جانب قصف الوزارات والمؤسسات الحكومية، والجمعيات الخيرية التي تدعي المخابرات الإسرائيلية أنها تتبع الحركة. وفي الضفة الغربية، قامت إسرائيل باختطاف 40 وزير ونائب فلسطيني. أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني فقد بدأت مرحلة أخرى من الانقلاب و التي تمثلت بالعصيان الإداري للموظفين و الذي ينتمي معظمهم لفتح بحجة عدم دفع الرواتب و تخلل هذا العصيان إضرابات طويلة جدا و مظاهرات و مسيرات مسلحة و أعمال فلتان امني و عمليات قتل دفعت وزير الداخلية المصادرة صلاحياته في حكومة حماس إلى تشكيل القوة التنفيذية على أن تضم كافة الأجنحة العسكرية للمقاومة لتساند قوات الأمن و التي لم يعد لها هيبة في الشارع الفلسطيني و أصبحت تدين بالولاء لشخصيات أمنية محددة.
هذه القوة الأمنية الجديدة واجهت بمعارضة شديدة من فتح و لم تقتصر على المعارضة بل وصلت إلى حد الاستفزاز لجر هذه القوة إلى الرد أما الفصائل الأخرى فمنها من شارك و لكن بدون إعلان رسمي و بعدد محدود ومنها من رفض لأسباب خاصة بهم.
اتفاق مكة و أزمة الانفراج
بعد عمليات قتل و حرق و خطف و تعذيب و اتهامات متبادلة و عزوف و قصور من قبل الفصائل الفلسطينية في تقريب وجهات النظر و حل الخلافات بين الطرفين الحكومة و الرئاسة أو فتح و حماس فقدت هذه الفصائل دورها و هنا تدخلت أطراف خارجية منها الأردن فقد دعا رئيس الوزراء الأردني فتح و حماس لزيارة عمان لحل الخلافات إلا أن المحاولة لم تنجح و بعد الأردن دعي خادم الحرمين الملك عبد الله حماس و فتح للاجتماع في مكة و حل خلافاتهم وقد لبى الطرفين الدعوة وتوجهوا إلى مكة المكرمة بوفدين رفعي المستوى و استغرقت محادثاتهم أربعة أيام تمخض عنها اتفاق مكة في تاريخ 18/2/2007 من أهم بنوده تشكيل حكومة وحدة وطنية و إعادة بناء الأجهزة الأمنية و إعادة تفعيل منظمة التحرير و قد خرج الشعب الفلسطيني في قطاع غزة إلى الشوارع مبتهجا بهذا الحدث و استبشر الكثير الخير و لكن كان لآخرين من المتابعين و الخبراء بالشأن الفلسطيني وجهة نظر غير متفائلة لوجود عنصر الأزمة محمد دحلان ضمن الوفد و لغيابه عن حفل التوقيع و الذي راعاه و حضرة الملك عبد الله شخصيا فلقد كشفت مجلة الحقيقة الدولية الصادرة في عمان عما وصفته بالسبب الحقيقي لعدم مشاركة محمد دحلان عضو المجلس التشريعي الفلسطيني في الجلسة الختامية للحوار،حيث نقلت عن مصادر سعودية بأن الجانب السعودي طلب من دحلان عدم الحضور عقب رصد وتسجيل اتصال هاتفي تلقاه دحلان النائب عن حركة "فتح" من قدورة فارس، الذي كان يتحدث من مكتب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية.أخبره بان الإسرائيليين غير راضين عنة هذا الاتفاق فأجابه دحلان بأنه من السهل تخريب هذا الاتفاق .
كان الاتفاق عبارة عن عناوين رئيسية لتفاصيل شائكة و كل كلمة في هذه التفاصيل تشكل لغم ممكن أن ينفجر بأي لحظة بدءا من البرنامج السياسي للحكومة و إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و الذي تم تأجيله و ملف الشراكة و ملف منظمة التحرير و الذي أيضا أؤجل.
بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصبح الرأي الغير متفائل بعد اتفاق مكة هو الراجح حيث كادت أزمة اختيار وزير الداخلية تفجر الوضع بكاملة إلا أن تم اختيار شخصية غير معروفة على الصعيد الأمني و هو هاني القواسمي وزيرا للداخلية و بدأت الحكومة تعمل و لكن بنفس الصعوبات التي عايشتها حكومة حماس فالحصار لم يرفع و المقاطعة لازالت موجودة على الحكومة باستثناء الوزراء الغير منتمين إلى حماس و الإضرابات و العصيان الإداري لم يتوقف و حوادث القتل و الخطف خفت حدتها و لكن بأسلوب آخر .
في خط متوازي كان هناك فريق يخطط من خلف الكواليس ولكن نتائج هذا التخطيط كانت تظهر على ارض الواقع من تجييش وتدريب و تسليح و هذا ما كشفت عنة المجلة الأمريكية فانيتيي فيير فالرفض الأمريكي لاتفاق مكة، سرعان ما تطور إلى تحرك عملي لإحباط هذا الاتفاق. وقد عبرت عن هذا التحرك خطة المنسق الأمني الأمريكي الجنرال كيث دايتون، الذي عينه الرئيس بوش قبل عامين للإشراف على "تطوير" الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وليشكل حلقة الوصل بين هذه الأجهزة وجيش ومخابرات الاحتلال. ولا شك أن كل من يتفحص بنود هذه خطة دايتون التي ناقشتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس خلال زيارتها لرام الله في مارس الماضي مع كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومستشار الأمن القومي محمد دحلان و الذي عينة محمود عباس في مجلس الأمن القومي ورفضته بشدة حماس و اعتبرته غير قانوني حيث يتناقض مع كونه عضو في المجلس التشريعي و هذه سبب أزمة و لكن و كعادة الرئيس عباس لم يلتفت إلى هذه المعارضة و لكن هذه الأزمة كانت مسمار آخر في نعش حكومة الوحدة مجلة الحقائق الدولية سؤلا إلى الوزير لمستقل د.مصطفى البرغوثي هل ستصمد في الوزارة..؟
هذا السؤال وجهته المجلة للدكتور مصطفى البرغوثي، وزير إعلام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية على هامش مشاركته في الملتقى الإعلامي العربي الذي انعقد في عمان. البرغوثي سبق له أن كان يتوسط بين حركتي "حماس وفتح قبل اتفاق مكة و زار دمشق و التقي بقيادة حماس هناك وقد صرح ملمحا إلى أن "فتح" هي المسؤولة عن تعطيل التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.البرغوثي أجاب على سؤال مجلة الحقائق مؤكدا أنه سيظل صامدا حتى النهاية. وهو ما يعني إقراره ضمنيا بوجود منغصات يرى أنها تستحق الصمود في مواجهتها وقد أكد في مؤتمر صحفي عقدة في رام الله بان هناك أيدي خبيثة مدعومة من قوى معادية للشعب الفلسطيني تحاول تدمير حكومة الوحدة الوطنية .
مسمار آخر دق في نعش حكومة الوحدة الوطنية و هو استقالة وزير الداخلية المستقل و السبب هو نفس السبب الذي كان يشكي منه الوزير السابق في حكومة حماس من تجريد من الصلاحيات و عدم انصياع الأجهزة الأمنية للأوامر و عدم تنفيذ الخطة الأمنية التي أقرتها حكومة الوحدة.
ومن الأهمية هنا الإشارة إلى بعض ما جاء في محضر لقاء ثنائي تم بين رايس ودحلان لمناقشة سبل تطبيق خطة دايتون و التي كانت تسير على قدم و ساق وبوتيرة عالية جدا ، وقد نشرت بعضه صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بتاريخ 20-5-2007. فخلال الحديث توجهت رايس إلى دحلان قائلة: أنت واثق أنه سيكون بإمكانك تطبيق ما جاء في الخطة؟ فرد دحلان عليها: لا تقلقي أنا مثل الله في غزة.ونسب إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات "الإسرائيلية" د. هيجا ياو مجارتن" قولها إن دحلان مُكلَّف من وكالة المخابرات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى, بتنفيذ مهمة محددة, هي تصفية أي مجموعات مقاومة لـ"إسرائيل" داخل وخارج حركة حماس.
في غزة كان المتوقع أن يبدأ الانقلاب على الحكومة و تنفيذ الخطة الأمريكية و كما كان مخطط لها بعد امتحانات الثانوية العامة و هذا ما يعلم به سكان غزة و بدأت إرهاصاته باغتيال بهاء بعض النشطاء المنتمين لحماس و من ثم اغتيال بهاء ابو جراد القيادي في حركة فتح و اتهمت حماس باغتياله و نفت الأخيرة هذه التهمة.
الصحفي المصري اشرف ابو الهول مراسل صحيفة الأهرام المصرية قال لبرنامج وثائقي قامت بإعداده قناة الحوار الفضائية عن الحسم العسكري الذي قامت به حماس قال بان لجنة التحقيق التي شكلت من القوى الوطنية و الإسلامية بغزة بخصوص اغتيال ابو جراد توصلت إلى أن عملية الاغتيال خلفيتها تصفيات داخلية و تنظيمية داخل فتح و لكن القوى الوطنية و الإسلامية لم تصرح بهذا للشعب و هنا يضع علامة استفهام على حيادية هذه القوى .
بعد حادثة اغتيال ابو جراد انتشرت قوى الأمن التابعة لفتح و القوة التنفيذية التي شكلها دحلان و تدربت حسب خطة دايتون في الدول المجاورة في الشوارع و المفترقات و اعتلت الأبراج و أقيمت الحواجز و انتشرت ظاهرة الخطف و القتل على اللحية .
اجتمعت حكومة الوحدة في غزة و في أثناء الاجتماع تم إطلاق النار عليهم من قبل تنفيذية محمد دحلان و بحضور عزام الأحمد نائب رئيس الوزراء آنذاك و بعدها قتل إمام مسجد بعزة أمام زوجته و أطفاله و قتل قائد في حماس و حرق بيته و خطف أخيه من قبل عاطف بكر احد عناصر دحلان في غرب غزة و احرقت بيوت عناصر موالية لحماس في المربع الأمني لمقر الرئيس الفلسطيني محمود عباس و خانيونس لم تسلم من عمليات الخطف و القتل فقد تم خطف و تصفية عمرو الرنتيسي ابن أخ الشهيد عبد العزيز الرنتيسي .
أمام هذه الحوادث الخطيرة لم يكن أمام حماس إلا الدفاع المستميت عن نفسها وعن كوادرها فأعطيت الأوامر للجناح العسكري بالرد بقوة على هذه الحوادث فكان ما لم يتوقع احد وهو الانهيار الدراماتيكي و المدوي للمنظومة الأمنية و العسكرية و التي راعها و سمنها دايتون من خلال التجنيد و التدريب و التسليح و صرف ملايين الدولارات عليها خلال ثلاثة أيام أمام مئات من عناصر القسام في غزة و كان هذا الحسم العسكري و الذي لا يزال البعض يصر على تسميته بالانقلاب.
فبعد هذا السرد البسيط و المبسط يحق لنا أن نتساءل: من انقلب على من؟؟
لسنا بصدد سرد قصة تراجيدية أو كوميدية... إلا أن السرد التاريخي للأحداث يظهر الحقائق التي كانت مغيبة عند الكثيرين.
وليس بالمفاجأة ما أوردته مجلة فاينتي فير الأمريكية وتناقلتها بعض وسائل الإعلام وزعمت فيها " أن الإدارة الأمريكية قد أعدت خطة بمشاركة النائب محمد دحلان لإسقاط حماس .
إن أكثر ما يثير الشبهة لدى المحللين السياسيين والعارفين.. الثروة الباهظة التي يمتلكها محمد دحلان والتي جاءت من أكثر من جهة ,بعضهم قال أنها جاءت عن طريق التنسيق الأمني لعدد من التجار بهدف تسهيل معاملاتهم التجارية والعبور عبر معبر إيرز مقابل مبالغ كبيرة وفرض "اتوات" على التجار ورجال الأعمال وآخرون نسبوها إلى ملايين الدولارات التي كانت تحول لجهاز الأمن الوقائي بهدف تطوير قدراته وتعزيز مكانته ليكون السد المنيع أمام بنادق المقاومة الفلسطينية الموجهة نحو الاحتلال ,أما البعض الأكثر تفاؤلا فقد جمع بين الاثنين.
وإذا عدنا للوراء قليلا عندما كانت تجرى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في منتجع "واي بلانتيشين" في العام 1997م،اقترب الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون من عضو الوفد الفلسطيني محمد دحلان،وهمس في أذنه قائلاً "أرى فيك زعيما مستقبليا لشعبك".
وعندما كان الرئيس الحالي جورج بوش يحضر قمة "شرم الشيخ" في العام 2003م، طلبه بالاسم ليصافحه، مما يعكس حجم المكانة التي يتمتع بها لدى الإدارة الأمريكية وترحيب مسبق لأن يقود السلطة الفلسطينية في يوم من الأيام.
وقد نشرت صحيفة "يونجافليت" الألمانية في14/6 في تقريرً لمعلقها السياسي فوف راينهارت قال فيه إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترةٍ طويلةٍ لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية, وتحريض تيارٍ موالٍ لها داخل فتح على القيام بتصفياتٍ جسديةٍ للقادة العسكريين في حركة حماس.
وكأن الإشارة كانت واضحة أن دحلان سيكون رجل المرحلة كما توقع هو نفسه وعمل لتحقيق هذا الهدف فلقد سبق و أن تمرد على زعيمة و قائدة ياسر عرفات و قاد المسيرات و حملات الفلتان الأمني في عهدة و قبل مجئ حماس للحكم .
تسونامي التغيير و بداية الانقلاب
في الخامس والعشرين من عام 2006 جاء الطوفان الأخضر مخالفا كل التوقعات وكان بمثابة الصفعة التي أصابت الكثيرين بالذهول , إلا دحلان الذي أيقن أنه سيكون هو رجل مرحلة العصر القادم الخالي من حماس وباقي فصائل المقاومة,و لهذا فقد ثار و غضب بعد إعلان نتائج الانتخابات و إعلان فوز حماس الساحق و خرج على رأس مسيرة من منتسبي الأجهزة الأمنية وقاموا بحرق السيارات أمام المجلس التشريعي و طالبوا باستقالة محمود عباس و اللجنة المركزية لفتح و توعدوا حماس و لكن سرعان ما اختفى هذا الغضب و بدا التفكير الهادئ بالانقلاب على نتائج الانتخابات و خصوصا بان التصريحات الإسرائيلية و الأمريكية كانت مشجعة و تصب في صالح فكرة الانقلاب.
للحقيقة فقد بدأت فكرة الانقلاب على نتائج الانتخابات منذ أن أعلنت نتائج الانتخابات و بدأت هذه الخطوات بمراسيم رئاسية استباقية تصادر صلاحيات الحكومة المقبلة التي سوف تشكلها حماس كان أخطرها استحداث منصب مدير الأمن الداخلي و أوكل مهمته إلى رشيد ابو شباك الصديق الحميم لمحمد دحلان ليكون مشرفا عاما على الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية كما كان للمجلس التشريعي المنتهي ولايته دور في استباق الأحداث فقد قام بتعديل و إصدار قوانين جديدة كما قامت حكومة أبو علاء قريع وهي كانت عبارة عن حكومة تسير أعمال بتوظيف أكثر من ألفين موظف من فتح و تفريغ الخزينة الحكومية من الأموال وعند بدء المشاورات بشان تشكيل الحكومة و التي كانت حماس تنوي تشكيلها من كافة الكتل النيابية رفضت فتح المشاركة و وضعت العراقيل و الشروط التعجيزية كما مورست التهديدات الداخلية و الخارجية على الكتل الأخرى لحثها على عدم المشاركة مع حماس و كان لسان حال فتح و الكتل الأخرى يقول " مركب حماس غرقان فلماذا نغرق معهم فلنتركهم يغرقوا" و بعد تشكيل حماس حكومتها العاشرة لوحدها و التي توقع الجميع لها أن لا تصمد أكثر من ثلاث شهور و حضروا أنفسهم على هذا الأساس حيث أن صحيفة هآرس في عددها الصادر بتاريخ 25-2-2006 نقلت عن مصادر في الحكومة الإسرائيلية توقعاتها أنه في غضون 100 يوم من الحصار المتواصل، أن حكومة حركة حماس ستنهار. لكن عندما تبين أن الحصار لم يفلح في إسقاط الحكومة، عمدت إسرائيل إلى استغلال حادثة أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت لمحاولة تحطيم الحكومة الفلسطينية وحركة حماس. فبدعوى الرد على اسر شاليط قامت إسرائيل بتنفيذ عشرات الحملات العسكرية في جميع أرجاء قطاع غزة ضد البنى التنظيمية والعسكرية لحركة حماس، إلى جانب قصف الوزارات والمؤسسات الحكومية، والجمعيات الخيرية التي تدعي المخابرات الإسرائيلية أنها تتبع الحركة. وفي الضفة الغربية، قامت إسرائيل باختطاف 40 وزير ونائب فلسطيني. أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني فقد بدأت مرحلة أخرى من الانقلاب و التي تمثلت بالعصيان الإداري للموظفين و الذي ينتمي معظمهم لفتح بحجة عدم دفع الرواتب و تخلل هذا العصيان إضرابات طويلة جدا و مظاهرات و مسيرات مسلحة و أعمال فلتان امني و عمليات قتل دفعت وزير الداخلية المصادرة صلاحياته في حكومة حماس إلى تشكيل القوة التنفيذية على أن تضم كافة الأجنحة العسكرية للمقاومة لتساند قوات الأمن و التي لم يعد لها هيبة في الشارع الفلسطيني و أصبحت تدين بالولاء لشخصيات أمنية محددة.
هذه القوة الأمنية الجديدة واجهت بمعارضة شديدة من فتح و لم تقتصر على المعارضة بل وصلت إلى حد الاستفزاز لجر هذه القوة إلى الرد أما الفصائل الأخرى فمنها من شارك و لكن بدون إعلان رسمي و بعدد محدود ومنها من رفض لأسباب خاصة بهم.
اتفاق مكة و أزمة الانفراج
بعد عمليات قتل و حرق و خطف و تعذيب و اتهامات متبادلة و عزوف و قصور من قبل الفصائل الفلسطينية في تقريب وجهات النظر و حل الخلافات بين الطرفين الحكومة و الرئاسة أو فتح و حماس فقدت هذه الفصائل دورها و هنا تدخلت أطراف خارجية منها الأردن فقد دعا رئيس الوزراء الأردني فتح و حماس لزيارة عمان لحل الخلافات إلا أن المحاولة لم تنجح و بعد الأردن دعي خادم الحرمين الملك عبد الله حماس و فتح للاجتماع في مكة و حل خلافاتهم وقد لبى الطرفين الدعوة وتوجهوا إلى مكة المكرمة بوفدين رفعي المستوى و استغرقت محادثاتهم أربعة أيام تمخض عنها اتفاق مكة في تاريخ 18/2/2007 من أهم بنوده تشكيل حكومة وحدة وطنية و إعادة بناء الأجهزة الأمنية و إعادة تفعيل منظمة التحرير و قد خرج الشعب الفلسطيني في قطاع غزة إلى الشوارع مبتهجا بهذا الحدث و استبشر الكثير الخير و لكن كان لآخرين من المتابعين و الخبراء بالشأن الفلسطيني وجهة نظر غير متفائلة لوجود عنصر الأزمة محمد دحلان ضمن الوفد و لغيابه عن حفل التوقيع و الذي راعاه و حضرة الملك عبد الله شخصيا فلقد كشفت مجلة الحقيقة الدولية الصادرة في عمان عما وصفته بالسبب الحقيقي لعدم مشاركة محمد دحلان عضو المجلس التشريعي الفلسطيني في الجلسة الختامية للحوار،حيث نقلت عن مصادر سعودية بأن الجانب السعودي طلب من دحلان عدم الحضور عقب رصد وتسجيل اتصال هاتفي تلقاه دحلان النائب عن حركة "فتح" من قدورة فارس، الذي كان يتحدث من مكتب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية.أخبره بان الإسرائيليين غير راضين عنة هذا الاتفاق فأجابه دحلان بأنه من السهل تخريب هذا الاتفاق .
كان الاتفاق عبارة عن عناوين رئيسية لتفاصيل شائكة و كل كلمة في هذه التفاصيل تشكل لغم ممكن أن ينفجر بأي لحظة بدءا من البرنامج السياسي للحكومة و إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و الذي تم تأجيله و ملف الشراكة و ملف منظمة التحرير و الذي أيضا أؤجل.
حكومة الوحدة و الخطة الأمريكية يسيران معا
بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصبح الرأي الغير متفائل بعد اتفاق مكة هو الراجح حيث كادت أزمة اختيار وزير الداخلية تفجر الوضع بكاملة إلا أن تم اختيار شخصية غير معروفة على الصعيد الأمني و هو هاني القواسمي وزيرا للداخلية و بدأت الحكومة تعمل و لكن بنفس الصعوبات التي عايشتها حكومة حماس فالحصار لم يرفع و المقاطعة لازالت موجودة على الحكومة باستثناء الوزراء الغير منتمين إلى حماس و الإضرابات و العصيان الإداري لم يتوقف و حوادث القتل و الخطف خفت حدتها و لكن بأسلوب آخر .
في خط متوازي كان هناك فريق يخطط من خلف الكواليس ولكن نتائج هذا التخطيط كانت تظهر على ارض الواقع من تجييش وتدريب و تسليح و هذا ما كشفت عنة المجلة الأمريكية فانيتيي فيير فالرفض الأمريكي لاتفاق مكة، سرعان ما تطور إلى تحرك عملي لإحباط هذا الاتفاق. وقد عبرت عن هذا التحرك خطة المنسق الأمني الأمريكي الجنرال كيث دايتون، الذي عينه الرئيس بوش قبل عامين للإشراف على "تطوير" الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وليشكل حلقة الوصل بين هذه الأجهزة وجيش ومخابرات الاحتلال. ولا شك أن كل من يتفحص بنود هذه خطة دايتون التي ناقشتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس خلال زيارتها لرام الله في مارس الماضي مع كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومستشار الأمن القومي محمد دحلان و الذي عينة محمود عباس في مجلس الأمن القومي ورفضته بشدة حماس و اعتبرته غير قانوني حيث يتناقض مع كونه عضو في المجلس التشريعي و هذه سبب أزمة و لكن و كعادة الرئيس عباس لم يلتفت إلى هذه المعارضة و لكن هذه الأزمة كانت مسمار آخر في نعش حكومة الوحدة مجلة الحقائق الدولية سؤلا إلى الوزير لمستقل د.مصطفى البرغوثي هل ستصمد في الوزارة..؟
هذا السؤال وجهته المجلة للدكتور مصطفى البرغوثي، وزير إعلام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية على هامش مشاركته في الملتقى الإعلامي العربي الذي انعقد في عمان. البرغوثي سبق له أن كان يتوسط بين حركتي "حماس وفتح قبل اتفاق مكة و زار دمشق و التقي بقيادة حماس هناك وقد صرح ملمحا إلى أن "فتح" هي المسؤولة عن تعطيل التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.البرغوثي أجاب على سؤال مجلة الحقائق مؤكدا أنه سيظل صامدا حتى النهاية. وهو ما يعني إقراره ضمنيا بوجود منغصات يرى أنها تستحق الصمود في مواجهتها وقد أكد في مؤتمر صحفي عقدة في رام الله بان هناك أيدي خبيثة مدعومة من قوى معادية للشعب الفلسطيني تحاول تدمير حكومة الوحدة الوطنية .
مسمار آخر دق في نعش حكومة الوحدة الوطنية و هو استقالة وزير الداخلية المستقل و السبب هو نفس السبب الذي كان يشكي منه الوزير السابق في حكومة حماس من تجريد من الصلاحيات و عدم انصياع الأجهزة الأمنية للأوامر و عدم تنفيذ الخطة الأمنية التي أقرتها حكومة الوحدة.
ومن الأهمية هنا الإشارة إلى بعض ما جاء في محضر لقاء ثنائي تم بين رايس ودحلان لمناقشة سبل تطبيق خطة دايتون و التي كانت تسير على قدم و ساق وبوتيرة عالية جدا ، وقد نشرت بعضه صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بتاريخ 20-5-2007. فخلال الحديث توجهت رايس إلى دحلان قائلة: أنت واثق أنه سيكون بإمكانك تطبيق ما جاء في الخطة؟ فرد دحلان عليها: لا تقلقي أنا مثل الله في غزة.ونسب إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات "الإسرائيلية" د. هيجا ياو مجارتن" قولها إن دحلان مُكلَّف من وكالة المخابرات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى, بتنفيذ مهمة محددة, هي تصفية أي مجموعات مقاومة لـ"إسرائيل" داخل وخارج حركة حماس.
في غزة كان المتوقع أن يبدأ الانقلاب على الحكومة و تنفيذ الخطة الأمريكية و كما كان مخطط لها بعد امتحانات الثانوية العامة و هذا ما يعلم به سكان غزة و بدأت إرهاصاته باغتيال بهاء بعض النشطاء المنتمين لحماس و من ثم اغتيال بهاء ابو جراد القيادي في حركة فتح و اتهمت حماس باغتياله و نفت الأخيرة هذه التهمة.
الصحفي المصري اشرف ابو الهول مراسل صحيفة الأهرام المصرية قال لبرنامج وثائقي قامت بإعداده قناة الحوار الفضائية عن الحسم العسكري الذي قامت به حماس قال بان لجنة التحقيق التي شكلت من القوى الوطنية و الإسلامية بغزة بخصوص اغتيال ابو جراد توصلت إلى أن عملية الاغتيال خلفيتها تصفيات داخلية و تنظيمية داخل فتح و لكن القوى الوطنية و الإسلامية لم تصرح بهذا للشعب و هنا يضع علامة استفهام على حيادية هذه القوى .
بعد حادثة اغتيال ابو جراد انتشرت قوى الأمن التابعة لفتح و القوة التنفيذية التي شكلها دحلان و تدربت حسب خطة دايتون في الدول المجاورة في الشوارع و المفترقات و اعتلت الأبراج و أقيمت الحواجز و انتشرت ظاهرة الخطف و القتل على اللحية .
اجتمعت حكومة الوحدة في غزة و في أثناء الاجتماع تم إطلاق النار عليهم من قبل تنفيذية محمد دحلان و بحضور عزام الأحمد نائب رئيس الوزراء آنذاك و بعدها قتل إمام مسجد بعزة أمام زوجته و أطفاله و قتل قائد في حماس و حرق بيته و خطف أخيه من قبل عاطف بكر احد عناصر دحلان في غرب غزة و احرقت بيوت عناصر موالية لحماس في المربع الأمني لمقر الرئيس الفلسطيني محمود عباس و خانيونس لم تسلم من عمليات الخطف و القتل فقد تم خطف و تصفية عمرو الرنتيسي ابن أخ الشهيد عبد العزيز الرنتيسي .
أمام هذه الحوادث الخطيرة لم يكن أمام حماس إلا الدفاع المستميت عن نفسها وعن كوادرها فأعطيت الأوامر للجناح العسكري بالرد بقوة على هذه الحوادث فكان ما لم يتوقع احد وهو الانهيار الدراماتيكي و المدوي للمنظومة الأمنية و العسكرية و التي راعها و سمنها دايتون من خلال التجنيد و التدريب و التسليح و صرف ملايين الدولارات عليها خلال ثلاثة أيام أمام مئات من عناصر القسام في غزة و كان هذا الحسم العسكري و الذي لا يزال البعض يصر على تسميته بالانقلاب.
فبعد هذا السرد البسيط و المبسط يحق لنا أن نتساءل: من انقلب على من؟؟

كتبها فؤاد شرحه في 01:22 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: فؤاد شرحه





